ابن كثير
292
البداية والنهاية
الملائكة لا يسأمون العبادة ، ورب الأرض التي جعلتها قرارا للأنام والهوام والانعام ، وما لا يحصى مما نرى وما لا نرى من خلقك العظيم ، ورب الفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس ، ورب السحاب المسخر بين السماء والأرض ، ورب البحر المسجور المحيط بالعالم ، ورب الجبال الرواسي التي جعلتها للأرض أوتادا وللخلق متاعا ، إن أظهرتنا على عدونا فجنبنا البغي والفساد وسددنا للحق ، وإن أظهرتهم علينا فارزقني الشهادة وجنب بقية أصحابي من الفتنة . ثم تقدم علي وهو في القلب في أهل المدينة وعلى ميمنته يومئذ عبد الله بن بديل ، وعلى الميسرة عبد الله بن عباس ، وعلى القراء عمار بن ياسر وقيس بن سعد ، والناس على راياتهم فزحف بهم إلى القوم ، وأقبل معاوية - وقد بايعه أهل الشام على الموت - فتواقف الناس في موطن مهول وأمر عظيم ، وحمل عبد الله بن بديل أمير ميمنة علي على ميسرة أهل الشام وعليها حبيب بن مسلمة ، فاضطره حتى ألجأه إلى القلب ، وفيه معاوية ، وقام عبد الله بن بديل خطيبا في الناس يحرضهم على القتال ويحثهم على الصبر والجهاد ، وحرض أمير المؤمنين علي الناس على الصبر والثبات والجهاد ، وحثهم على قتال أهل الشام ، وقام كل أمير في أصحابه يحرضهم ، وتلا عليهم آيات القتال من أماكن متفرقة من القرآن ، فمن ذلك قوله تعالى * ( إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص ) * [ الصف : 4 ] ثم قال : قدموا الدارع وأخروا الحاسر وعضوا على الأضراس ، فإنه أنكى ( 1 ) للسيوف عن الهام ، وألبوا إلى أطراف الرماح فإنه أفوق للأسنة ( 2 ) ، وغضوا الابصار فإنه أربط للجأش وأسكن للقلب ، وأميتوا الأصوات فإنه أطرد للفشل وأولى بالوقار ، راياتكم لا تميلوها ولا تزيلوها ولا تجعلوها إلا بأيدي شجعانكم . وقد ذكر علماء التاريخ وغيرهم أن عليا رضي الله عنه بارز في أيام صفين وقاتل وقتل خلقا حتى ذكر بعضهم أنه قتل خمسمائة ، فمن ذلك أن كريب بن الصباح قتل أربعة من أهل العراق ثم وضعهم تحت قدميه ثم نادى : هل من مبارز ؟ فبرز إليه علي بتجاولا ساعة ثم ضربه علي فقتله ثم قال علي : هل من مبارز ؟ فبرز إليه الحارث بن وداعة الحميري فقتله ، ثم برز إليه راود بن الحارث الكلاعي فقتله ، ثم برز إليه المطاع بن المطلب القيسي فقتله . فتلا علي قوله تعالى * ( والحرمات قصاص ) * [ البقرة : 194 ] ثم نادى ويحك يا معاوية ! أبرز إلي ولا تفني العرب بيني وبينك ، فقال له عمرو بن العاص : اغتنمه فإنه قد أثخن بقتل هؤلاء الأربعة ، فقال له معاوية : والله لقد علمت أن عليا لم يقهر قط ، وإنما أردت قتلي لتصيب الخلافة من بعدي ، اذهب إليك ! فليس مثلي يخدع . وذكروا أن عليا حمل على عمرو بن العاص يوما فضربه بالرمح فألقاه إلى الأرض فبدت سؤته فرجع عنه ، فقال له أصحابه : مالك يا أمير المؤمنين رجعت عنه ؟ فقال : أتدرون ما هو ؟
--> ( 1 ) في الطبري 6 / 9 والكامل 3 / 297 : أنبى . ( 2 ) العبارة في الطبري والكامل : والتووا في أطراف الرماح فإنه أصون للأسنة .